هل شعرت يومًا وكأنك تعيش لحظة مرت عليك من قبل؟ هذه الظاهرة الغامضة، المعروفة باسم “الديجافو”، أثارت فضول العلماء والباحثين لعقود. في هذا المقال، سنتعمق في أسباب حدوث الديجافو وأنواعه المختلفة، بدءًا من الشعور المألوف البسيط إلى تجارب أكثر تعقيدًا مثل ديجا فيكو وديجا سانتي. كما سنتناول علاقته بالصرع والتخاطر، إذا كنت من عشاق فهم أسرار العقل البشري، فهذا المقال دليلك لاستكشاف ألغاز الديجافو.
محتويات المقال
ما هو الديجا فو؟
الديجا فو “deja vu” هو ظاهرة نفسية مثيرة تُترجم من الفرنسية لتعني “تم رؤيته من قبل“. تشير إلى الإحساس الغريب بأن تجربة حالية تبدو مألوفة بشكل ملحوظ، كما لو حدثت من قبل، رغم أنه من المنطقي ألا يكون ذلك الشعور موجودًا. بينما يعاني الكثير من الأشخاص من الديجا فو في مرحلةٍ ما من حياتهم، فإن الآليات والأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة لا تزال موضوعًا للتحقيق العلمي.
سبب تسمية ظاهرة ديجا فو بهذا الاسم
تم تقديم مصطلح “ديجا فو” لأول مرة من قبل الفيلسوف والباحث الفرنسي إميل بويراك في كتابه مستقبل العلوم النفسية (L’Avenir des Sciences Psychiques) في عام 1876. يصف المصطلح بدقة إحساسًا بالألفة يبدو في غير محله أو غير مبرر بالذاكرة المباشرة للشخص. ومع مرور الوقت، أصبح المصطلح مُعتمدًا على نطاق واسع في علم النفس وعلم الأعصاب.
كيف يحدث الديجا فو؟
من منظور نفسي وعصبي، يحدث الديجا فو عندما يحدث خلل مؤقت في أنظمة الذاكرة في الدماغ. وتشير النظريات الأكثر قبولًا إلى أن الديجا فو يحدث نتيجة سوء تواصل بين مراكز الذاكرة قصيرة وطويلة المدى في الدماغ.
نظرية معالجة الذاكرة
يعالج الدماغ التجارب من خلال نظامي ذاكرة أساسيين:
الذاكرة قصيرة المدى: تتعامل مع المدخلات الحسية الفورية.
الذاكرة طويلة المدى: تخزن التجارب والمعرفة السابقة.
يُعتقد أن الديجا فو يحدث عندما يتجاوز المعلومات الحسية قصيرة المدى مسارها المعتاد وتذهب مباشرة إلى الذاكرة طويلة المدى، مما يخلق إحساسًا زائفًا بالألفة.
نظرية المعالجة المزدوجة
تفسير آخر رائد هو نظرية المعالجة المزدوجة، التي تفترض أن الديجا فو ناتج عن تداخل مؤقت في معالجة الدماغ المتوازية للتجارب. يمكن أن يتسبب هذا التداخل في أن يخطئ الدماغ في تجربة جديدة ويعتقد أنها ذاكرة مخزنة مسبقًا.
ماذا يقول علماء النفس عن الديجافو؟
في علم النفس، غالبًا ما يتم مناقشة الديجا فو في سياق أخطاء الذاكرة والوظائف الإدراكية. تم دراسته كظاهرة تعكس قدرة الدماغ على التعرف على الأنماط واسترجاع الذكريات. ورغم أن الديجا فو عمومًا غير ضار، فإن فهمه يمكن أن يوفر رؤى حول كيفية معالجة الدماغ وتخزين المعلومات.
من منظور سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي، أن الديجا فو مرتبط بذكريات مكبوتة ورغبات غير واعية. وفقًا لفرويد، يمكن أن يكون الديجا فو عودة لظهور تجارب أو عواطف منسية تم دفنها في العقل الباطن.
سبب الديجافو
توجد عدة نظريات تحاول تفسير سبب الديجا فو، ومنها:
1. تشوهات الذاكرة
قد يحدث الديجا فو عندما يطابق الدماغ عن طريق الخطأ تجربة جديدة مع ذاكرة موجودة مشابهة ولكنها ليست مطابقة.
2. الأخطاء العصبية
تشير الأبحاث إلى أن الديجا فو قد يكون ناتجًا عن اضطرابات طفيفة في الفصوص الصدغية في الدماغ، التي تلعب دورًا رئيسيًا في تكوين الذكريات.
3. التوتر والإرهاق
يمكن أن تكون نوبات الديجا فو أكثر تكرارًا عندما يكون الشخص متعبًا أو متوترًا أو قلقًا. قد تجعل هذه الحالات الدماغ أكثر عرضة لأخطاء الذاكرة.
أنواع الديجا فو
حدد علماء النفس وعلماء الأعصاب أنواعًا مختلفة من تجارب الديجا فو:
1. ديجا فيزيت (Déjà Visite)
هو إحساس غريب بالألفة مع مكان لم تزره من قبل. تخيل أنك تزور مكانًا لأول مرة، ومع ذلك تشعر بإحساس غير مبرر بالألفة، وكأنك مشيت في تلك الشوارع أو وقفت في هذا المكان بالضبط من قبل. تُعرف هذه الظاهرة باسم “ديجا فيزيت”، والتي تعني “زرته من قبل“، وهي واحدة من أكثر التجارب إثارة للفضول في مجال الذاكرة والإدراك.
على عكس الطبيعة العابرة للديجا فو، يرتبط ديجا فيزيت غالبًا بأماكن محددة ويتميز بقناعة قوية أنك كنت هناك من قبل، حتى لو أن المنطق يشير إلى عكس ذلك. يعتقد العلماء أن ديجا فيزيت قد يكون مرتبطًا بإشارات ذاكرة دقيقة، أو وعي مكاني لاشعوري، أو حتى اضطرابات في كيفية دمج الدماغ للمعلومات الحسية والذاكرية.
2. ديجا فيكو (Déjà Vécu)
عندما تشعر بأن حدثًا كاملًا تم تجربته مسبقًا بالتفصيل. بينما يُعرف الديجا فو بأنه الإحساس برؤية شيءٍ من قبل، فإن “ديجا فيكو” وهو ظاهرة أقل شيوعًا ولكنها أكثر إثارة يتجاوز هذا الشعور العابر بالألفة.
تعني كلمة “ديجا فيكو” بالفرنسية “عِشتُ من قبل“، وهي تصف إحساسًا غريبًا بأنك لا تسترجع لحظة واحدة فقط، بل تعيش تجربة كاملة بتفاصيلها وكأنها تحدث مجددًا.
على عكس الديجا فو، الذي يستمر لبضع ثوانٍ فقط، يمكن أن يكون الديجا فيكو أكثر انغماسًا ومشحونًا بالعواطف، مما يترك الشخص مع شعور عميق بالاتصال مع اللحظة، وكأنها حدثت بالفعل في حياته. يقترح الباحثون أن الديجا فيكو قد ينشأ عن اضطرابات في عمليات ترميز أو استرجاع الذاكرة، مما يوفر رؤى مهمة حول كيفية دمج الدماغ بين التجارب السابقة والحالية.
3. ديجا سانتي (Déjà Senti)
هو الشعور بأنك فكرت أو شعرت بالشيء من قبل. من بين ظواهر الألفة المختلفة، يتميز “ديجا سانتي”، الذي يعني “شعرتُ من قبل“، كتجربة عاطفية فريدة. على عكس الديجا فو أو الديجا فيكو، فإن ديجا سانتي لا يتعلق باسترجاع مشهد أو إعادة عيش حدث؛ بل يتعلق بإعادة الشعور بحالة عاطفية معينة. هذا الإحساس العابر غالبًا ما يحدث دون تذكر واضح للسياق الأصلي، مما يترك الشخص مع شعور قوي ولكنه غامض بالألفة.
يعتقد الباحثون أن ديجا سانتي قد يكون مرتبطًا بعمليات الذاكرة اللاواعية أو الأحداث العصبية، مثل نشاط الفص الصدغي، مما يوفر نظرة مثيرة حول كيفية معالجة الدماغ للعواطف والذكريات.
هل يجب أن أستشير طبيبًا بسبب الديجا فو؟
بالنسبة لمعظم الناس، يعد الديجا فو تجربة غير ضارة وعرضية. ومع ذلك، يمكن أن تكون نوبات الديجا فو المتكررة أو الشديدة عرضًا لحالات طبية أساسية، مثل:
1. صرع الفص الصدغي
يمكن أن تحدث نوبات الديجا فو المتكررة أثناء النوبات الصرعية.
2. اضطرابات القلق
قد يبلغ الأفراد الذين يعانون من مستويات عالية من القلق عن تجارب الديجا فو بشكل متكرر.
3. الاضطرابات الانفصامية
يمكن أن تسبب بعض الحالات النفسية الديجا فو كجزء من التجارب الانفصامية.
*إذا كانت نوبات الديجا فو مصحوبة بأعراض أخرى مثل الارتباك أو فقدان الذاكرة أو النوبات، فمن المهم طلب المشورة الطبية.
الديجا فو والتخاطر
هل يمكن أن يكون هناك ارتباط بين ظاهرة ديجا فو والتخاطر؟ في حين أن ظاهرة ديجا فو الإحساس بأنك عشت لحظة من قبل لها جذورها في الذاكرة والإدراك، فإن بعض النظريات تشير إلى أنها قد تشترك في رابط رائع مع الظواهر التخاطرية. يقترح أنصار هذا المنظور أن ظاهرة ديجا فو قد تحدث عندما يلتقط الفرد دون وعي أفكار أو مشاعر شخص آخر، مما يخلق تداخلًا بين الواقع المدرك وغير المدرك. وعلى الرغم من أن علم النفس يعزو ظاهرة ديجا فو إلى خلل عصبي أو معالجة ذاكرة غير متطابقة، يربط بعض الأشخاص الديجا فو بالتخاطر أو التجارب النفسية. ومع ذلك، لا يوجد دليل علمي يثبت هذا الادعاء. يُفسر إحساس الألفة بشكل أكثر دقة من خلال العمليات الإدراكية والعصبية.
الديجا فو والصرع
هناك علاقة وثيقة بين الديجا فو وصرع الفص الصدغي. بالنسبة للأفراد المصابين بالصرع في الفص الصدغي، فإن ظاهرة الديجافو هي أكثر من مجرد شعور عابر بالألفة، يمكن أن تعمل كعلامة تحذير مبكرة لنوبة صرعية وشيكة.
يعتقد الباحثون أن هذه الظاهرة تحدث بسبب النشاط الكهربائي غير الطبيعي في الفص الصدغي، وهي منطقة مهمة للذاكرة والمعالجة الحسية. يمكن أن تخلق هذه الاضطرابات العصبية شعورًا زائفًا بالتعرف، مما يؤدي إلى تجربة الديجافو.
إن فهم هذا الارتباط لا يلقي الضوء على الآليات الأساسية للديجافو فحسب، بل يساعد أيضًا في التشخيص المبكر وإدارة الصرع، مما يسلط الضوء على التفاعل المعقد بين الإدراك والجهاز العصبي.
كيفية التعرف على الديجا فو في حالات الصرع
- إحساس قوي بالألفة.
- يحدث قبل النوبة مباشرة.
- مصحوب بالارتباك أو تغييرات في الوعي.
هل الديجا فو مرض؟
الديجا فو ليس مرضًا في حد ذاته. إنه تجربة إدراكية شائعة يعاني منها معظم الناس في مرحلةٍ ما. ومع ذلك، كما ذكرنا، يمكن أن يكون عرضًا لحالات عصبية أساسية.
الخلاصة
يظل الديجا فو أحد أكثر الظواهر إثارة وغموضًا في علم النفس. وعلى الرغم من أنه غالبًا ما يكون تجربة غير ضارة، إلا أنه يوفر رؤى قيمة حول كيفية معالجة الدماغ للذاكرة والإدراك. بالنسبة لمعظم الناس، يعد الديجا فو إحساسًا عابرًا. ومع ذلك، إذا كان يحدث بشكل متكرر أو كان مصحوبًا بأعراض أخرى، فقد يشير إلى حالة عصبية تتطلب عناية طبية.
المراجع